الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
32
الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية
يجعل بينه وبين خلقه وسائط وسفراء ، نسمّيهم : رسلًا وأنبياء ، يليقون من جهةٍ لاستماع كلامه وتلقّي وحيه وإلهامه ، ومن جهةٍ أُخرى لتبليغ مراده إلى جملة عباده . فهم في الصورة والحقيقة بشر ، وهم في الحقيقة من عوالم أُخر : « وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ » « 1 » . ومن المعلوم أنّ المشاكلة والجنسية لها في التبليغ أعظم مدخلية ، بل لا يكاد الغرض يحصل بدونها . وحينئذٍ فلو أخلّ الواجب ( تقدّس شأنه ) بذلك كان إخلالًا منه بالغرض في إيجاد الخلق ، ونقض الغرض قبيحٌ من العاقل ، فكيف من واهب العقل ؟ ! والمبدأ الفيّاض لا بخل فيه ولا نقص يعتريه : « بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ » « 2 » . وهذا ما توخّيناه لك من السبيل لإثبات النبوّة العامّة وضرورة الحاجة إلى كلّية البعثة ، وقد رأيت كيف تحكم الإحساسات الصحيحة والوجدانات السليمة بها . وقد سلكنا بك إليها من أسهل طرقها وأقرب مباديها بحيث لا ترى فيها مقدّمةً معقّدة تنعقد بشيء من الاصطلاحات الفلسفية ، أو ترتبط بالمباحث الكلامية ، أو تستعين بما يدقّ فهمه ويعسر على العامّة علمه . أمّا المتكلّمون فقد سلكوا إليه من طرق شتّى وأنحاء مختلفة أهونها وأبينها ما ملخّصه : أنّ مجيء رسول من البشر عن اللَّه ( تعالى ) ممكن عقلًا خلافاً
--> ( 1 ) سورة الأنعام 6 : 9 . ( 2 ) سورة المائدة 5 : 64 .